كيف تعمل الحواسيب العملاقة التي تتنبأ بالدوريات
في كل أغسطس، مع انطلاق الدوريات حديثًا، تنشر وسائل الإعلام الرياضية النوع نفسه من العناوين: الحاسوب العملاق تنبأ بالدوري الإنجليزي الممتاز، أو النموذج يمنح المرشح 62 في المئة من الحظوظ. والكلمة توحي بآلة ضخمة تطنّ في قبو مبرَّد. لكن الحقيقة أكثر تواضعًا وأكثر إثارة للاهتمام بكثير: فالأمر يتعلق في الغالب ببرنامج إحصائي يوزّع الأهداف وفق معادلة يزيد عمرها على أربعين عامًا، ويلعب الموسم آلاف المرات المتتالية ليحصي كم مرة فاز كل فريق في تلك المرات. وفهم ما يوجد تحت السطح مفيد لأمرين: لتقدير سبب إصابة هذه النماذج أكثر مما يتوقع المرء، ولمعرفة اللحظة التي تتوقف فيها عن كونها مفيدة بالضبط.
من أين يخرج عنوان كل أغسطس
من روّج هذه الصيغة هي شركات البيانات الرياضية. فنموذج أوبتا، على سبيل المثال، يحاكي كل مباراة في الموسم عشرة آلاف مرة ويرتّب الفرق بحسب معدل النقاط التي تجمعها في تلك المجموعة من المواسم المتخيَّلة. وبهذه المادة يمكن بناء أي عنوان: احتمال اللقب، أو التأهل إلى أوروبا، أو الهبوط، أو الجدول النهائي الأكثر ترجيحًا. وهو محتوى رخيص الإنتاج، يتحدث تلقائيًا مع كل جولة، ويعمل بكفاءة عالية على شبكات التواصل، ولذلك تحوّل إلى نوع صحفي قائم بذاته يعود إلى الظهور بانتظام في كل فترة إعداد للموسم.
واللافت أن التفاصيل الصغيرة تناقض العنوان في العادة. ففي توقعات أوبتا للدوري الإنجليزي الممتاز 2025-26، فاز تسعة عشر فريقًا من أصل عشرين باللقب مرة واحدة على الأقل داخل تلك المواسم العشرة آلاف المحاكاة. بعبارة أخرى: النموذج نفسه كان ينبّه إلى أن كل شيء تقريبًا ممكن. أما العنوان فيأخذ الفريق الذي فاز أكثر عدد من المرات ويقدّمه بوصفه تنبؤًا مغلقًا؛ في حين أن النموذج كان يصف مروحة هائلة من المستقبلات، بعضها بالغ الاستبعاد لكن لا شيء فيها مستحيل.
ماهر وديكسون وكولز: الأصل الأكاديمي
الفكرة الأساسية أقدم من الإنترنت. ففي عام 1982، نشر م. ج. ماهر في مجلة Statistica Neerlandica مقالًا بعنوان Modelling association football scores، أسند فيه إلى كل فريق رقمين: قوة هجوم وقوة دفاع. وكانت أهداف كل مباراة تُنمذَج بتوزيع بواسون، وهو الأداة نفسها التي تُستخدم لعدّ الأحداث النادرة داخل فترة زمنية محددة. وتحقق ماهر من أن هذا النموذج البسيط جدًا، مع بعض التحفظات، يصف على نحو معقول التكرار الحقيقي للنتائج، كما أدرج فيه أفضلية اللعب على الأرض.
وبعد خمسة عشر عامًا، في 1997، نشر مارك ديكسون وستيوارت كولز في مجلة الجمعية الملكية للإحصاء، السلسلة C، البحث الذي حوّل ذلك كله إلى أداة عملية. فقد عايرا النموذج بمباريات إنجليزية في الدوري والكأس أُقيمت بين 1992 و1995، وأدخلا عليه إصلاحين حاسمين. الأول: تصحيح تكرار النتائج المنخفضة، لأن بواسون الصرف كان يقصّر في تقدير نتائج صفر-صفر وواحد-واحد. والثاني، وهو الأهم لما نحن بصدده: إدخال ترجيح زمني، بحيث تكون للمباريات الحديثة وزن أكبر من القديمة عند تقدير قوة أي فريق. فالنادي في أبريل ليس هو نفسه قبل عامين، وكان على النموذج أن يلاحظ ذلك.
لماذا يجب لعب الموسم عشرة آلاف مرة
بعد تقدير قوى الهجوم والدفاع يمكن حساب احتمال كل نتيجة ممكنة في كل مباراة متبقية. والمشكلة أن الدوري ليس مباراة منفردة: بل هو شبكة من عشرات الجولات، تغيّر فيها نتيجة كل جولة معنى الجولة التالية. ولا توجد معادلة مغلقة معقولة تحوّل كل تلك الاحتمالات الفردية إلى احتمال إنهاء الموسم بطلًا، ناهيك عن الحالة التي تدخل فيها قواعد كسر التعادل بفارق الأهداف أو بالمواجهات المباشرة بين الأطراف المعنية.
والمخرج هو محاكاة مونت كارلو، وهي طريقة تقوم على حل مسألة صعبة برمي النرد عددًا هائلًا من المرات. يسحب الحاسوب نتيجة محددة لكل مباراة متبقية، وفق الاحتمالات التي يمليها النموذج؛ ثم يجمع النقاط؛ ويبني الجدول النهائي؛ ويسجّل من كان البطل ومن هبط. ثم يعيد العملية من الصفر. وبعد عشرة آلاف موسم كامل يكفي أن تحصي: إذا أنهى فريق ما الموسم في الصدارة في 6,200 منها، فاحتمال فوزه باللقب هو 62 في المئة. لا سحر في الأمر أكثر من ذلك، والاسم مستمد من كازينو موناكو لا من حاسوب فائق.
ماذا تعني حقًا نسبة 62 في المئة
هنا يكمن سوء الفهم الجوهري. نسبة 62 في المئة لا تعني أن ذلك الفريق سيفوز بالدوري. بل تعني أنه لو لُعب الموسم مئة مرة انطلاقًا من الوضع الحالي، بهذه التشكيلات وهذا الجدول، لخرج ذلك الفريق بطلًا في نحو اثنتين وستين منها ولحصده غيره في الثماني والثلاثين الباقية. ونسبة 38 في المئة ليست رقمًا يُستهان به: فهي تقريبًا احتمال ظهور وجه الصورة مرتين عند رمي عملة معدنية ثلاث مرات، وهو أمر لا يفاجئ أحدًا حين يقع.
ولذلك لا يُحاكَم النموذج بناءً على إصابته في تحديد البطل، بل على معايرته: من بين كل المرات التي قال فيها عشرين في المئة، هل وقع الحدث مرة من كل خمس تقريبًا؟ النموذج جيد المعايرة يخطئ باستمرار في الحالات الفردية ويظل مع ذلك مفيدًا، تمامًا مثل نشرة جوية تعلن ثلاثين في المئة احتمال هطول المطر وتكون مصيبة إذا أمطرت ثلاث مرات من كل عشر تقولها. والحكم على احتمال بنتيجة واحدة أشبه بالحكم على حجر نرد برمية واحدة.
كيف يعمل الحاسوب العملاق في هذا الموقع
ينتمي نموذج موقع futsimulator.com إلى العائلة نفسها من الأفكار. فهو يلعب عشرة آلاف مرة كل المباريات المتبقية في المسابقة ويحصي النتائج. أما قوة كل نادٍ الهجومية والدفاعية فلا تُستخرج من الجدول الخام، بل تُعدَّل بحسب المنافسين الذين واجههم بالفعل: فتسجيل ثلاثة أهداف في مرمى المتصدر لا يساوي تسجيلها في مرمى المتذيل، والدفاع الذي زار بالفعل أفضل أربعة فرق في البطولة يستحق أن يُقرأ بمسطرة مختلفة عن دفاع لم يبرح أرضه بعد.
واتّباعًا لمنطق ديكسون وكولز، تكون للمباريات الحديثة وزن أكبر من البعيدة، بعمر نصف يبلغ مئة يوم: فنتيجة قبل ثلاثة أشهر تؤثر بما يقارب نصف تأثير نتيجة هذا الأسبوع. وأما بالنسبة إلى المشكلة الكلاسيكية في الجولات الأولى، حين لا تكون البيانات كافية بعد، فينطلق النموذج من قيمة مسبقة مبنية على القيمة السوقية لتشكيلة النادي وعلى ترتيبه في العام السابق؛ ويتراجع ذلك الوزن الأولي تدريجيًا كلما وصلت نتائج حقيقية. وثمة تفصيل تقني يجدر ذكره: الحساب كله يُنفَّذ في متصفح الزائر نفسه، لا على خادم بعيد. فالحاسوب العملاق، حرفيًا، هو جهازك أنت.
ما لا يستطيع أي نموذج معرفته
وهنا يأتي الجزء الصادق. هذه النماذج تقرأ الماضي؛ ولا تقرأ المستقبل. فهي لا تعرف أن المهاجم الأساسي سيصاب في الجولة التاسعة، ولا أن النادي سيتعاقد في يناير مع لاعب وسط يغيّر ملامح الفريق، ولا أن هناك تغييرًا في الجهاز الفني سيعيد ترتيب غرفة الملابس بالكامل. ولا تعرف شيئًا عن عبء الروزنامة الأوروبية الذي سيُفرغ السيقان في مارس، ولا عن عقوبة إدارية، ولا عن انتقال مفاجئ في اليوم الأخير من السوق. كل ذلك يدخل إلى النموذج بعد وقوعه فقط، حين يكون قد تُرجم إلى نتائج.
كما أنها لا تلتقط جيدًا ما يسميه الإحصائيون الارتباط بين المباريات: ففي المحاكاة تُسحب كل مباراة على نحو مستقل تقريبًا، بينما في الواقع تنتقل عدوى السلسلة السيئة من عطلة أسبوع إلى التي تليها، وتظل الإصابة الطويلة تثقل الفريق شهورًا. ولهذا تميل النطاقات التي تنتجها إلى أن تكون أضيق قليلًا مما تثبته الحياة في النهاية. والخلاصة المعقولة ليست رمي النموذج في سلة المهملات، بل استخدامه على حقيقته: طريقة منظمة للتمييز بين المحتمل وبين ما هو ممكن فحسب، من دون الخلط بينهما أبدًا.
"النموذج لا يخبرك بما سيحدث؛ بل يخبرك كم مرة كان سيحدث لو أُعيد العام عشرة آلاف مرة."
- حاكِ ما تبقى من جولات دوريك وانظر كيف يستقر الجدول النهائي.
- غيّر يدويًا أي نتيجة وتحقق فورًا من كيفية تحرك الترتيب.
- ارسم جداول الأدوار الإقصائية وحاكِها دورًا بدور حتى المباراة النهائية.
- افتح الحاسوب العملاق، وانظر احتمالات اللقب والهبوط وقارنها بالترتيب الحقيقي.
"الإحصاء لا يحل محل الموسم: بل يخبرك فقط بما ينبغي توقعه قبل أن يُلعب."
